الشنقيطي
277
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الّذي يلحدون ، أي يميلون قولهم عن الصّدق والاستقامة إليه - أعجميّ غير بيّن ، وهذا القرآن لسان عربيّ مبين ، أي ذو بيان وفصاحة . وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي يُلْحِدُونَ بفتح الياء والحاء ، من لحد الثلاثي . وقرأه الباقون يُلْحِدُونَ بضم الياء والحاء ، من لحد الثلاثي . وقرأه الباقون يُلْحِدُونَ بضم الياء وكسر الحاء من ألحد الرباعي ، وهما لغتان ، والمعنى واحد ؛ أي يميلون عن الحق إلى الباطل . وأما يُلْحِدُونَ التي في ( الأعراف ، والتي في فصّلت ) فلم يقرأهما بفتح الياء والحاء إلا حمزة وحده دون الكسائيّ . وإنما وافقه الكسائي في هذه التي في ( النّحل ) وأطلق اللسان على القرآن لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام ؛ فتؤنّثها وتذكّرها ؛ ومنه قول أعشى باهلة : إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها * من علو لا عجب فيها ولا سخر وقول الآخر : لسان الشرّ تهديها إلينا * وخنت وما حسبتك أن تخونا وقول الآخر : أتتني لسان بني عامر * أحاديثها بعد قول نكر ومنه قوله تعالى : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) [ الشعراء : 84 ] أي ثناء حسنا باقيا . ومن إطلاق اللّسان بمعنى الكلام مذكّرا قول الحطيئة : ندمت على لسان فات منّي * فليت بأنّه في جوف عكم قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) [ 112 - 113 ] . قال بعض أهل العلم : « إنّ هذا مثل ضربه اللّه لأهل مكّة » ، وهو رواية العوفيّ عن ابن عبّاس « 1 » ، وإليه ذهب مجاهد وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وحكاه مالك عن الزّهري رحمهم اللّه ، نقله عنهم ابن كثير وغيره . وهذه الصفات المذكورة التي اتصفت بها هذه القرية - تتفق مع صفات أهل مكة المذكورة في القرآن ؛ فقوله عن هذه القرية كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً قال نظيره عن أهل مكة ؛ كقوله : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً [ القصص : 57 ] الآية ، وقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت : 67 ] الآية ، وقوله : وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 ) [ قريش : 4 ] ، وقوله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [ آل عمران : 97 ] ، وقوله : وَإِذْ
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 14 / 125 .